أبي منصور الماتريدي

159

تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي )

وقوله - عزّ وجل - لَوْ لا أَنْ تَدارَكَهُ نِعْمَةٌ مِنْ رَبِّهِ . فنعمته عليه كانت من ثلاثة أوجه : أحدها : في تذكير الزلة ، وذلك كان بالتقام الحوت إياه ، وكان عنده أن مفارقته قومه لم تكن زلة ؛ لأنه إنما فارقهم لأن قومه كانوا له أعداء في الدين ، ففارقهم لينجو منهم ، وليسلم له دينه ولا يسمع المكروه منهم في الله تعالى . والثاني : أن في مفارقته إياهم تخويفا منه لهم وتهويلا ؛ لأن القوم كان لا يفارقهم نبيهم من بين أظهرهم إلا عندما يريد أن ينزل بهم العذاب ، وذلك مما يدعوهم إلى الإقلاع عما هم فيه ويدعوهم إلى الفزع إلى الله تعالى ، ومن خوف آخر بأمر يكون فيه دعاؤه إلى الهدى كان محمودا مصيبا ؛ ولأن مفارقته إياهم هي التي دعتهم إلى الإسلام ، فأسلموا لقوله : فَآمَنُوا فَمَتَّعْناهُمْ إِلى حِينٍ [ الصافات : 148 ] ، ومن كانت مفارقته لهذه الأوجه التي ذكرناها ، لم تعد مفارقته زلة ، بل عدت من أفضل شمائله ، ولكن لحقته اللائمة مع هذا كله ؛ لما ذكرنا أن الرسل لا يسعهم أن يفارقوا قومهم وإن اشتد عليهم الأذى من جهتهم إلا بعد وجود الإذن من الله تعالى ، وكانت مفارقته تلك بغير إذن ، والله أعلم . ثم كان في ظنه أنه ليست تلك المفارقة زلة ، ألا ترى إلى قوله - تعالى - : فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ [ الأنبياء : 87 ] ، قيل في التأويل : أي : لن نضيق عليه . وقيل : أي : لن نعاقبه ، فلولا أن عنده أن تلك المفارقة ليست بزلة وإلا كان لا يظن هذا ؛ فتبين عنده بالتقام الحوت إياه وبما أفضى إليه من الشدائد أن تلك زلة منه ، وتذكير الزلة من إحدى النعم . والنعمة « 1 » الثالثة : ما ذكرناها من توفيق الله تعالى إياه بالتوبة ، وإكرامه عليه بقبولها ، ومن حكمه ألا يقبل التوبة ممن جاءه بأس الله ، وأحاط به العذاب ، وهو إنما فزع إلى التوبة بعد ما عاين العذاب ، وجاءه بأس الله تعالى . وجائز أن يكون حكمه هذا في الكفرة ، ليس في المؤمنين ؛ لأنه قال في آية أخرى : يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آياتِ رَبِّكَ لا يَنْفَعُ نَفْساً إِيمانُها لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمانِها خَيْراً [ الأنعام : 158 ] ، ففيه إشارة إلى أن من سبق منه الإيمان قبل أن يأتيه آيات ربه أو سبق منه كسب الخير من بعد الإيمان ؛ فإن إيمانه في ذلك الوقت ينفعه ، وقال في أهل الكفر : فَلَمَّا رَأَوْا بَأْسَنا قالُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَحْدَهُ وَكَفَرْنا بِما كُنَّا بِهِ مُشْرِكِينَ * فَلَمْ يَكُ يَنْفَعُهُمْ إِيمانُهُمْ [ غافر : 84 ، 85 ] ، فهذا حكمه في أهل الشرك ، وقال : وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئاتِ حَتَّى إِذا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قالَ إِنِّي تُبْتُ الْآنَ وَلَا الَّذِينَ

--> ( 1 ) زاد في أ ، ب : الثانية و .